علوم · ٩ دقائق قراءة

الذكاءُ الاصطناعي ولسانُ العرب: هل يفهمنا حقًّا؟

خالد النعيمي٠٢ سبتمبر ٢٠٢٦
الذكاءُ الاصطناعي ولسانُ العرب: هل يفهمنا حقًّا؟

حين تسأل نموذجًا لغويًّا بالعربية، يأتيك الجوابُ بطلاقةٍ تخدع الحواس. جملٌ سليمة، تراكيبُ متينة، وربما توريثٌ من الفصحى يفوق ما يكتبه كثيرٌ من البشر. لكن الطلاقة ليست فهمًا، والسؤال الحقيقي أدقُّ من أن يُحسم بجوابٍ سريع: هل تفهم الآلةُ العربيةَ التي تتكلمها، أم تحفظ أثرَها فحسب؟

اللغةُ العربية تشكّل تحديًا هندسيًّا لا تخفيه أوراقُ البحث. فالجذرُ الثلاثي يلدُ عائلاتٍ كاملة من المعاني، والإعرابُ يغيّر دلالةَ الكلمةِ بموضعِ حركةٍ واحدة، والاشتقاقُ يربطُ «كتب» بـ«مكتبة» و«كاتب» و«مكتوب» في شبكةٍ دلاليةٍ عميقة. النماذج اللغوية لا تعرف «جذرًا» ولا «وزنًا»؛ إنها ترى أطوالًا من الرموز وتتعلّم احتمالاتِ التلاقي بينها. وهذا ينجحُ إحصائيًّا، لكنه يترك فجواتٍ تظهر في ألطف المواضع: في نكتةٍ محلية، وفي مجازٍ قرآني، وفي تفريقٍ دقيقٍ بين «علم» يُدرَّس و«علم» يُخبَّر عنه.

العقبةُ الثانية كميةٌ لا نوعية. اللغة الإنجليزية تمتلك محيطًا رقميًّا هائلًا من الكتب والمقالات والحوارات الموسومة بعناية. أما العربية، فنصوصُها الرقمية المتاحةُ عاليةَ الجودة أقلُّ بكثير من حجمِ متحدثيها — مئةُ مليونٍ ونصف يتكلمونها، بينما ما تدرَّبت عليه النماذجُ منها لا يوازي لغةٍ تتحدثها عشراتُ الملايين فقط. النتيجةُ أن النموذج يقرأ العربيةَ بعينِ متعلمٍ اكتسبها متأخرًا، ويترجم داخليًّا إلى «لغةٍ أمٍّ» رياضيةٍ قامت على الإنجليزية قبل أن يستجيب بالعربية.

ومع ذلك، فالانعطافُ الحالي حقيقي. النماذجُ الحديثة صارت تُقيَّم بمعاييرٍ عربيةٍ أصيلة، لا بترجمةٍ عن معايير إنجليزية، وصارت تدركُ الفروقَ بين الفصحى والعاميات، وتبني على بنيةِ الجملة العربية لا تقلّدها. وفي الجامعاتِ والشركات العربية يُبنى اليوم ما يمكن أن نسميه «بنيةً تحتيةً لغوية»: معاجمُ رقمية، مجموعاتُ نصوص موسومة، وأدواتُ تقييمٍ تقيس الفهمَ لا الطلاقة. الطريقُ طويل، لكنه صار مرسومًا.

يبقى السؤالُ الفلسفي: ما الذي يعنيه «فهمُ» لغةٍ أصلًا؟ إن كان الفهمَ إنتاجُ الجواب الصحيح، فقد اقتربت الآلةُ أكثر مما ظنّنا. وإن كان الفهمَ أن تحسَّ بثقلِ الكلمة، وأن تتذكّر مرةَ نزولها، وأن تخطئ خطأً بشريًّا مؤلمًا ثم تتعلّم منه، فما زال الطريقُ بعيدًا. وبين هذين الطرفين تمضي الأبحاث، ونحن — قرّاءُ هذه اللغة وكُتّابُها — لنا فيها دورٌ لا تلعبه الآلة: أن نكتب أكثر، وبجودةٍ أعلى، حتى يصيرُ كلامُنا الذي نعلّمه للآلات جديرًا بأن يُفهم.

© خالد النعيمي — جميع الحقوق محفوظة. يُمنع نسخ المقال أو نشره دون ذكر اسم الكاتب ورابط المقال الأصلي.