موسيقى الجاز في أزقّة القاهرة القديمة

في نهاية الأربعينيات، كانت القاهرة مدينةً تستمعُ إلى العالم كله دفعةً واحدة. راديو في كل مقهى، أفلامٌ أمريكية في سينمات وسط البلد، وفِرقٌ عسكريةٌ محلّفة تتركُ خلفها تسجيلاتٍ وآلاتٍ لا يجدُ لها أصحابُها موطنًا في المقامات الشرقية. من هذا الزخمِ الصاخب وُلد شيءٌ لم يكن موسيقى شرقيةً ولا غربية: جازٌ مصريّ بلهجةٍ خاصة.
لم يكن الأمر تقليدًا. الموسيقيون المصريون لم يقلّدوا أوركستراتِ الجاز الأمريكية كما هي، بل فعلوا ما تفعله اللغاتُ حين تلتقي: أخذوا ما يناسبهم وترجموه إلى عالمهم. القانون العربي، بذاتُه الربعية، انزلقَ إلى عزف الجاز فأعطاه تذوّقًا لا يوجد في أي مكانٍ آخر. وإيقاعاتُ الدُّف والطبلة تسلّلتَ تحتَ هارمونية البينو، فجلسَ الميزانُ الشرقيُّ على كرسيٍّ أمريكي دون أن يشعر أحد.
وكانت الأزقّةُ نفسُها جزءًا من الموسيقى. مقاهي شارع عماد الدين، وصالات عمّان الليالي الفخمة، وأصواتُ الباعةِ تتصاعدُ تحتَ شرفاتٍ متجاورة — كلُّها كانت غرفةَ تدريبٍ مفتوحة. من عزفَ في تلك الشوارع يحكي عن صعوبةِ حفظ النغمة بين صخبٍ وأخرى، وهذا الصخبُ نفسُه علّم جيلًا كاملًا أن الموسيقى ليست حفلةً داخل قاعة، بل حوارٌ مع مدينةٍ حيّة.
اليوم يعود الجازُ إلى القاهرة في مهرجاناتٍ صغيرةٍ وقاعاتٍ مستقلّة، وأجيالٌ جديدةً من العازفين يخرجُ من معاهد الموسيقى العربية يبحثون عن ذلك الصوت المفقود. ليس التذكارَ على طريقة المتاحف، بل ذلك الحوار القديم بين المقامِ والسويتش، بين الطبلةِ والطبل. المدينةُ التي كانت تستمعُ إلى العالم كله دفعةً واحدة، صارت العالمُ يستمعُ إليها الآن — قليلًا، لكنه يستمع.
© خالد النعيمي — جميع الحقوق محفوظة. يُمنع نسخ المقال أو نشره دون ذكر اسم الكاتب ورابط المقال الأصلي.
