سياسة · ٦ دقائق قراءة

لماذا ما زالت الحروفُ العربيةُ أجملَ الخطوط؟

خالد النعيمي١٤ سبتمبر ٢٠٢٦
لماذا ما زالت الحروفُ العربيةُ أجملَ الخطوط؟

هناك لحظةٌ يمرُّ بها كلُّ من توقف أمام مخطوطٍ عربي قديم: لحظةُ صمتٍ لا يشبه أي شيء. تقف العينُ أمام منحنياتٍ تتوالى كأنها نهرٌ يجري على الورق، فلا تعرف أين ينتهي الحرفُ وأين يبدأ الزخرف. هذه اللحظة ليست نبوءةً ولا ترفًا فنيًّا؛ إنها نتيجةُ تاريخٍ طويلٍ جعلَ من الكتابةِ العربية فنًّا قائمًا بذاته، لا مجرّد وسيلةٍ لنقل المعنى.

السرُّ الأول في طبيعة الحرف ذاته. الحرفُ العربي يُكتب من اليمين إلى اليسار، ويتصلُ حرفٌ بحرفٍ في انسيابٍ واحد، فتخرج الكلمةُ كوحدةٍ عضويةٍ واحدة، لا كحروفٍ متجاورة. هذا الاتصال أعطى الخطَّاء إمكانيةً لا تجدها الخطوطُ اللاتينية: إمكانيةَ التمدُّد والتضييق، والتطويلِ والتقصير، حتى يملأ النصُّ مساحتَه كأنما نُسج على نولٍ واحد.

والسرُّ الثاني في أداته. القلمُ القصبي، بقطعِه المائل، لا يستطيع أن يرسم خطًّا واحدَ السماكة؛ بل يُنتج تناقبًا بين الغليظِ والرفيع في الضربة نفسها. من هذا التقابل وُلدت ثنائيةُ الحروف، التي جعلت الحرفَ العربي حيًّا: يتنفّس، يتوتّر، يهدأ. الخطوطُ الأخرى وُلدت من قلمٍ يكتب، والحرفُ العربي وُلد من قلمٍ يرقص.

لكن الإنصافَ يقتضي أن نسأل: هل هذا الجمال منعَ الحرفَ العربي من التطوّر؟ يقال إن الإعجابَ بالكوفةِ والنسخ والثلث حبسَ التجريبَ قرونًا. والحق أن التجديدَ بدأ فعليًّا حين انتقل الحرفُ من المخطوط إلى الملصق، ثم إلى شاشة الحاسوب. صمّم الخطّاطون والمصممون خطوطًا عربيةً جديدةً تعيش في هوية الشركات وفي واجهات التطبيقات، فأثبتَ الحرفُ أنه ليس أثرًا أثريًّا، بل لغةٌ بصريةٌ ما زالت قادرةً على الكلام.

وسيبقى السؤالُ مفتوحًا كلما ولدت تقنيةٌ جديدة للكتابة. هل سيحفظ الحرفُ العربي أناقتَه في عصر الذكاء الاصطناعي والخطوط المتغيّرة؟ رأيي أنه سيفعل، لأن جماله ليس في أدواته بل في منطقِه: منطقُ الاتصال والانسياب، ومنطقُ أن الكلمةُ الواحدة يمكن أن تكون لوحةً. وما دام هذا المنطقُ قائمًا، فسيتجدّد القلمُ، ويبقى الحرف.

© خالد النعيمي — جميع الحقوق محفوظة. يُمنع نسخ المقال أو نشره دون ذكر اسم الكاتب ورابط المقال الأصلي.